عبد الوهاب الشعراني
608
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وقد حكى لي من أثق به من العلماء المدرسين قال وردت نواحي الغربية فرأيت هناك في طريق سوق البلد قاضيا وعنده أوراق مكتوبة يخوف بها الفلاحين ، فيقول للإنسان ما اسمك فيقول فلان بن فلان ، فيقول عندي عليك مسطور لفلان وهؤلاء شهوده ، فإن وجد معه فلوسا أخذها وقطع الورقة وإلا أخذ الحمارة أو الجدي أو غيرهما حتى يصير عنده مراح بهائم ، وأرادوا الانصراف يوما فرأوا يهوديا على حمارته فقال اصبروا حتى نعمل على اليهودي فادعى القاضي على اليهودي بالحمارة أنها لأحد شهوده وصدقه الحاضرون ، فأخذوها منه ، ثم جاء له شخص وقال له أعط القاضي دينارا يخلص لك حمارتك فأعطاه الدينار فجعله القاضي في فمه وصاح بأعلى صوته سكوا هذا الكلب يبرطلني على الشرع ويظهر أنه متورع ، وقد أخذ الدينار منه فجعل اليهودي متاعه على كتفه وولى وهو يقول : بين يدي اللّه تلتقي الخصوم وواللّه إن قاطع الطريق أرحم بالناس من هذا القاضي ، فلا ينبغي أن يتولى أمور الناس إلا من تعين غلبة عليه واللّه أعلم . وروى الشيخان مرفوعا : « كلّكم راع ومسؤول عن رعيّته ، الإمام راع ومسؤول عن رعيّته ، والرّجل راع ومسؤول عن رعيّته » الحديث . وروى أبو داود والترمذي مرفوعا : « من ولي القضاء أو جعل قاضيا بين النّاس ، فقد ذبح بغير سكّين » . قال الحافظ عبد العظيم ومعنى ذبح بغير سكين كان أن الذبح بالسكين يحصل به راحة للذبيحة بتعجيل إزهاق روحها ، فإذا ذبحت بغير سكين فيه تعذيب لها ، وقيل إن الذبح لما كان في ظاهر العرف والعادة غالبا بالسكين عدل صلى اللّه عليه وسلم عن ظاهر العرف والعادة إلى غير ذلك ليعلم أن مراده صلى اللّه عليه وسلم بهذا القول ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه ذكره الخطابي . وروى الترمذي وابن ماجة مرفوعا : « القضاة ثلاثة : واحد في الجنّة واثنان في النّار ، فأمّا الّذي في الجنّة فرجل عرف الحقّ فقضى به ، ورجل عرف الحقّ فجار في الحكم فهو في النّار ، ورجل قضى للنّاس على جهل فهو في النّار » . وفي رواية الترمذي وغيره مرفوعا : « من كان قاضيا فقضى بالعدل فبالحري أن يتفلّت منه كفافا » . وروى الإمام أحمد وابن حبان في « صحيحه » مرفوعا : « ليأتينّ على القاضي العدل يوم القيامة ساعة يتمنّى أنّه لم يقض بين اثنين في تمرة قطّ » . وفي رواية للإمام أحمد وغيره مرفوعا : « يدعى القاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدّة الحساب ما يتمنّى أنّه لم يقض بين اثنين في تمرة قطّ » .